ابن الأثير

435

الكامل في التاريخ

ولأقطعنّ من النّهار هواجرا * قلب النّهار بحرّها يتقطّع ولأسرين اللّيل لا يسري به * طيف الخيال ولا البروق اللّمع وأقدّمنّ إليه قلبي مخبرا * أنّي بجسمي من قريب أتبع حتّى أشاهد منه أسعد طلعة * من أفقها صبح السّعادة يطلع وفي هذه السنة ، في المحرّم ، برز صلاح الدين من دمشق ، وقد عظم شأنه بما ملكه من بلاد الشام ، وبكسره عسكر الموصل ، فخافه الفرنج وغيرهم ، وعزم على دخول بلدهم ونهبه والإغارة عليه ، فأرسلوا إليه يطلبون الهدنة معه ، فأجابهم إليها وصالحهم ، فأمر العساكر المصريّة بالعود إلى مصر والاستراحة إلى أن يعاود طلبهم ، وشرط عليهم أنّه متى أرسل يستدعيهم لا يتأخّرون ، فساروا إليها وأقاموا بها إلى أن استدعاهم للحرب مع سيف الدين على ما نذكره . وفيها مات أبو الحسن عليّ بن عساكر البطائحيّ المقرئ ، وكان قد سمع الحديث الكثير ورواه ، وكان نحويّا جيّدا . وفي ذي الحجّة منها توفّي أبو سعد محمّد بن سعيد بن محمّد بن الرزّاز ، سمع الحديث ورواه ، وله شعر جيّد ، فمن ذلك أنّه كتب إليه بعض أصدقائه مكاتبة وضمّنها شعرا ، فأجابه : يا من أياديه تغني من يعدّدها * وليس يحصي مداها من لها يصف عجزت عن شكر ما أوليت من كرم * وصرت عبدا ولي في ذلك الشّرف أهديت منظوم شعر كلّه درر * فكلّ ناظم عقد دونه يقف إذا أتيت بيت منه كان لنا * قصرا ودرّ المعاني فوقه شرف وإن أتيت أنا بيتا يناقضه * أتيت لكن ببيت سقفه يكف ما كنت منه ولا من أهله أبدا * وإنّما حين أدنو منه أقتطف وقيل كانت وفاته سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وهو الصّحيح .